وكالة مهر للأنباء، المجموعة الدولية: مرّ أكثر من شهر على بدء الحرب التي شنّها دونالد ترامب ضد إيران بخطاب عدائي وأهداف طموحة؛ حرب كان من المفترض، بحسب قوله، أن "تُغيّر معادلات المنطقة"، و"تُحطّم القوة العسكرية الإيرانية"، بل وحتى، في بعض المواقف الأكثر وضوحًا، أن تُؤدّي إلى "تغييرات في السلوك أو البنية السياسية في إيران". لكن الآن، وبعد شهر من هذه المواجهة، يختلف الواقع اختلافًا كبيرًا عن الأهداف المُعلنة في البداية؛ وهو اختلاف لا يُشير فقط إلى فشل واشنطن الاستراتيجي، بل يكشف أيضًا عن بوادر تراجع تدريجي في خطاب البيت الأبيض ومطالبه.
1. الأهداف الأولية: من الردع إلى تغيير المعادلة
بدأ ترامب الحرب بمجموعة من الأهداف المحددة. كان الهدف الأول استعادة قوة الردع الأمريكية المفقودة ضد إيران؛ وهي قوة ردع، كما أقرّ، قد ضعفت في السنوات الأخيرة، واكتسبت طهران مزيدًا من النفوذ في المنطقة. أما الهدف الثاني فكان إضعاف البنية التحتية العسكرية الإيرانية بشكل كبير، لا سيما في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ وهو المجال الذي يُعرف بأنه عماد قوة الردع الإيرانية. وكان الهدف الثالث، وربما الأهم، إجبار إيران على قبول نظام سياسي-أمني جديد، سواءً كان ذلك في صورة تغيير جذري في السلوك، أو على مستوى أعلى، تغيير في هيكل الحكم.
إضافةً إلى ذلك، طُرح أمن تدفقات الطاقة والسيطرة على الممرات المائية الحيوية في المنطقة كأهداف رئيسية. وقد أكد ترامب مرارًا قبل الحرب أن الولايات المتحدة لن تسمح بأن يصبح مضيق هرمز أداة ضغط على إيران، وأنه يجب ضمان حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي.
2. العمليات التكتيكية للمعتدين
على المستوى التكتيكي، لا يُمكن إنكار أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد شنوا ضربات. كان لبعض الهجمات على البنية التحتية، والاغتيالات المستهدفة، ومحاولات تعطيل الشبكات العسكرية الإيرانية، آثارٌ قصيرة المدى. لكن تاريخ الحروب يُظهر بوضوح أن النصر على الجبهة التكتيكية لا يعني بالضرورة النجاح على المستوى الاستراتيجي.
ما يُلاحظ اليوم هو أن هذه الضربات لم تُفضِ إلى انهيار القوة العسكرية الإيرانية فحسب، بل أدت إلى إعادة إنتاج هذه القوة بشكل أسرع وأكثر ذكاءً. لا تزال شبكة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية نشطة، وفي بعض الحالات، تعمل بمرونة أكبر من ذي قبل. هذا يعني أن هدف ترامب الرئيسي المتمثل في تعطيل أدوات الردع الإيرانية لم يتحقق عمليًا.
3. فشل الردع: معادلة لم تتغير
يُعدّ تغيير سلوك الطرف الآخر أحد أهم مؤشرات النجاح في مثل هذه الحرب. فلو تراجعت إيران عن مواقعها بعد شهر من الحرب، أو على الأقل خفّضت من حدة نشاطها، لكان بالإمكان الحديث عن إحياء الردع الأمريكي. لكن الواقع عكس ذلك تمامًا.
لم تكتفِ إيران بعدم التراجع عن مواقعها، بل أظهرت قدرتها على إدارة الشؤون الداخلية والخارجية في آنٍ واحد. فالعمليات الموجهة، والحفاظ على تماسك البنية الدفاعية، وتوجيه رسائل واضحة إلى القوى الإقليمية، كلها مؤشرات على أن الردع الذي كان ترامب يصبو إليه لم يتحقق. بل إن أمريكا هي التي باتت تتصرف بحذر أكبر في حساباتها.
4. تراجع في الأهداف السياسية: من تغيير النظام إلى احتواء الأزمة
لعلّ أوضح دليل على فشل ترامب الاستراتيجي يكمن في تغيّر لهجته ولغته. الرئيس، الذي تحدث في الأيام الأولى للحرب عن "نهاية إيران" و"ضرورة إجراء تغييرات جذرية"، يُركز الآن على "خفض التصعيد" و"إيجاد حل" أكثر من أي شيء آخر. هذا التغيير في اللهجة يعكس الواقع على الأرض. مشروع تغيير النظام، الذي كان يُنفذ سرًا في أروقة صنع القرار، وإن لم يُعلن عنه رسميًا، قد أُزيل فعليًا من جدول الأعمال. هذا يعني التخلي عن أحد الأهداف الاستراتيجية الرئيسية دون الاقتراب من أي نتيجة.
5. مضيق هرمز: عاملٌ غيّر مجرى الأحداث
في غضون ذلك، أُضيف عاملٌ رئيسي إلى المشهد، ربما لم يُؤخذ في الحسبان بشكل صحيح في حسابات واشنطن الأولية: مضيق هرمز. قبل الحرب، كان هذا الممر الحيوي مفتوحًا تمامًا، واستمر تدفق الطاقة دون انقطاع يُذكر. لكن مع بدء العدوان، سيطرت إيران بذكاء على هذا المضيق وحولته إلى أداة استراتيجية.
في غضون ذلك، أُضيف عاملٌ رئيسي إلى المشهد، ربما لم يُؤخذ في الحسبان بشكل صحيح في حسابات واشنطن الأولية: مضيق هرمز. قبل الحرب، كان هذا الممر الحيوي مفتوحًا تمامًا، واستمر تدفق الطاقة دون انقطاع يُذكر. لكن مع بدء العدوان، سيطرت إيران بذكاء على هذا المضيق وحولته إلى أداة استراتيجية.
الآن، يتمثل أحد الأهداف الرئيسية لترامب في "فتح" المضيق الذي كان مفتوحًا فعليًا قبل الحرب. يُظهر هذا التناقض بوضوح المأزق الاستراتيجي الذي تعيشه الولايات المتحدة. تحاول واشنطن استعادة الوضع الذي أفسدته بنفسها بعملها العسكري. هذا يعني أنه لم يتحقق شيء، بل وصل الوضع إلى مرحلة أكثر صعوبة من ذي قبل.
6. الضغوط الداخلية والإقليمية؛ حرب تتسع
من جهة أخرى، لم تقتصر الحرب على منطقة جغرافية محددة، بل اكتسبت تدريجيًا أبعادًا إقليمية. أصبحت القواعد الأمريكية في المنطقة، التي كانت في السابق في مأمن، أهدافًا محتملة. وقد زاد هذا الوضع بشكل كبير من تكاليف الحرب على واشنطن وجعل إدارتها أكثر تعقيدًا. كما تتزايد الضغوط على إدارة ترامب داخل الولايات المتحدة. لدى الرأي العام والكونغرس، وحتى جزء من النخبة السياسية، شكوك جدية حول استمرار حرب لا تلوح في الأفق أي نتائج واضحة. حدّت هذه الضغوط من قدرة البيت الأبيض على المناورة ودفعته إلى تعديل أهدافه.
7. الشعب الإيراني؛ العامل الحاسم في المعادلة
إلى جانب كل هذه العوامل، لا ينبغي إغفال دور الشعب الإيراني. فقد وجّه التواجد الشعبي الواسع في الميدان، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، واستمرار الحياة الطبيعية في المدن، رسالةً بالغة الأهمية إلى الطرف الآخر: إيران لن تنهار داخليًا. هذا التواجد، إلى جانب القوة العسكرية، خلق مزيجًا حاسمًا غيّر معادلات الحرب. وخلافًا للفكرة الأولية لمخططي الحرب، لم يؤدِّ الضغط الخارجي إلى انقسامات داخلية فحسب، بل عزّز التضامن أيضًا. وهذا يعني أن أحد الافتراضات الرئيسية للاستراتيجية الأمريكية كان خاطئًا جوهريًا.
8. مأزق استراتيجي؛ حرب بلا أفق للنصر
يُظهر اجتماع هذه العوامل أن ترامب في مأزق استراتيجي. فهو لا يستطيع تحقيق أهدافه الأولية ولا الانسحاب من الحرب بسهولة. فاستمرار الحرب يزيد التكاليف، والانسحاب يعني قبول الهزيمة. في مثل هذه الظروف، تُعدّ محاولة التركيز على المكاسب التكتيكية أقرب إلى عملية نفسية منها إلى واقع استراتيجي. لأن ما هو حاسم في نهاية المطاف هو تحقيق الأهداف الكلية. أهداف لم تُحقق فحسب، بل أصبحت في بعض الحالات أبعد منالًا.
الخلاصة
تُذكّرنا تجربة هذه الحرب مرة أخرى بحقيقة قديمة: في الحروب، الاستراتيجية هي التي تُحدد المصير، لا التكتيكات. قد تُوجّه ضربات في ساحة المعركة، ولكن إن لم تُفضِ هذه الضربات إلى تغيير في المعادلة الكلية، فلن يكون لها أي قيمة في نهاية المطاف. اليوم، وبعد أكثر من شهر، لم تُستعد قوة الردع الأمريكية، ولم تُشلّ القوة العسكرية الإيرانية، ولم يتحقق التغيير السياسي المنشود، ولم يعد أمن الطاقة إلى وضعه المنشود. في المقابل، تمكنت إيران من الحفاظ على موقعها، بل وتعزيزه في بعض المجالات، من خلال مزيج من القوة العسكرية والإدارة الذكية والاعتماد على الدعم الشعبي.
هذا يعني أن ما حدث في هذه الحرب، بدلًا من أن يكون دليلًا على انتصار أمريكي، هو تعبير عن محدودية قوتها أمام فاعل قوي ومتعدد الأوجه؛ حقيقة أجبرت ترامب على النأي بنفسه عن أهدافه الطموحة الأولية والبحث عن مخرج من المأزق الذي أوقع نفسه فيه.

تعليقك